أوروك: المدينة التي علّمت العالم الكتابة
كيف بدأت الكتابة المسمارية في مدينة أوروك جنوب العراق قبل أكثر من خمسة آلاف عام، ولماذا كان أول ما كتبه الإنسان حساباتٍ لا قصائد.
على بُعد نحو ثلاثين كيلومترًا شرق مدينة السماوة في جنوب العراق، تمتد تلال واسعة من الطين يسمّيها الناس «الوركاء». تحت هذه التلال ترقد مدينة أوروك، إحدى أهم مدن التاريخ الإنساني؛ ففيها عثر الآثاريون على أقدم ألواح كتابية معروفة حتى اليوم، ويعود أغلبها إلى ما بين 3300 و3100 قبل الميلاد تقريبًا.
مدينة كبيرة تحتاج إلى سجلات
كانت أوروك في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد من أكبر المدن في العالم. فيها معابد ضخمة، ومخازن للحبوب، وقطعان من الماشية، وعمّال يتقاضون أجورهم طعامًا. ومع هذا الحجم صار من الصعب أن تعتمد الإدارة على الذاكرة وحدها: كم كيسًا من الشعير دخل المخزن؟ وكم رأسًا من الأغنام سُلّم للراعي؟ من هنا وُلدت الحاجة إلى وسيلة تحفظ الأرقام والأسماء.
من الرسوم إلى الأسافين
بدأت الكتابة الأولى برسوم بسيطة تمثّل الأشياء: رأس ثور للثور، وسنبلة للشعير، مع علامات للأعداد. كان الكاتب يضغط بقلم من القصب على لوح طين طري، ثم يُترك اللوح ليجف. ومع مرور القرون تحوّلت الرسوم إلى خطوط قصيرة تشبه المسامير أو الأسافين، ومن هنا جاء اسم «الكتابة المسمارية».
واللافت أن معظم الألواح الأولى ليست أدبًا ولا تاريخًا، بل قوائم إدارية وحسابات. لقد اخترع الإنسان الكتابة أولًا ليعدّ ويحاسب، ثم استعملها بعد ذلك للقوانين والرسائل والصلوات والملاحم.
ثلاثة آلاف عام من الاستعمال
لم تبقَ الكتابة المسمارية حكرًا على السومريين؛ فقد استعملها الأكديون والبابليون والآشوريون وشعوب أخرى في المنطقة، وكُتبت بها لغات مختلفة. وظلّت مستعملة نحو ثلاثة آلاف عام، حتى إن آخر النصوص المعروفة بها ألواح فلكية من القرن الأول الميلادي.
ثم نُسيت تمامًا، ولم يعد أحد يستطيع قراءتها حتى القرن التاسع عشر، حين تمكّن الباحثون من فكّ رموزها مستعينين بنقوش متعددة اللغات، أشهرها نقش بهستون في إيران.
أوروك في الأدب والذاكرة
تحضر أوروك أيضًا في أشهر عمل أدبي من بلاد الرافدين: «ملحمة جلجامش». فجلجامش في الملحمة ملك أوروك، والنص يتغنّى بأسوار مدينته العظيمة. وفي عام 2016 أُدرجت أوروك ضمن موقع «الأهوار في جنوب العراق» على قائمة التراث العالمي لليونسكو، مع مدينتي أور وأريدو.
ماذا نتعلّم من أوروك؟
قصة أوروك تذكّرنا بأن الاختراعات الكبرى تولد غالبًا من حاجات يومية بسيطة. فالرغبة في ضبط حسابات مخزن حبوب قادت، عبر قرون طويلة، إلى الكتب والمكتبات، وإلى كل ما نقرؤه اليوم.