شريعة حمورابي: ماذا كانت تقول حقًا؟
نظرة على المسلّة البابلية الشهيرة: من كتبها، وأين وُجدت، وما الذي تكشفه موادّها عن حياة الناس في بابل قبل نحو 3800 عام.
حين يُذكر القانون في التاريخ القديم، يقفز إلى الذهن اسم حمورابي. فهذا الملك البابلي ترك واحدة من أشهر الوثائق القانونية في العالم القديم: مسلّة حجرية سوداء نُقشت عليها قوانينه، وهي محفوظة اليوم في متحف اللوفر في باريس.
من هو حمورابي؟
حمورابي هو الملك السادس في سلالة بابل الأولى، وحكم نحو أربعة عقود في القرن الثامن عشر قبل الميلاد (تقريبًا بين 1792 و1750 ق.م). بدأ حاكمًا لمدينة بابل وحدها، ثم وسّع سلطانه حتى شمل معظم بلاد الرافدين، وأصبحت بابل في عهده مركزًا سياسيًا كبيرًا.
مسلّة سافرت بعيدًا
المسلّة مصنوعة من حجر البازلت ويتجاوز ارتفاعها مترين. في أعلاها نقش بارز يصوّر حمورابي واقفًا أمام إله الشمس والعدل «شمش». وتحت النقش كُتبت القوانين بالخط المسماري واللغة الأكدية، تحيط بها مقدمة وخاتمة يمدح فيهما الملك نفسه بوصفه حاميًا للضعفاء.
والطريف أن المسلّة لم تُكتشف في بابل، بل في مدينة سوسة في إيران عام 1901. فقد نقلها العيلاميون غنيمةً بعد غزوهم بلاد الرافدين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
282 مادة لحياة كاملة
يقسّم الباحثون نص الشريعة عادة إلى 282 مادة، تتناول جوانب كثيرة من حياة الناس، منها:
- التجارة والديون: القروض والودائع وعقود الشراكة.
- الزراعة والري: مسؤولية من يهمل سدّ قناته فيُغرق حقول جاره.
- الأسرة: الزواج والطلاق والميراث وتبنّي الأطفال.
- المهن: أجور الأطباء والبنّائين والعمّال، وعقوبة من يُسيء في عمله.
ومن أشهر موادّها ما يخصّ البنّائين: إذا بنى بنّاء بيتًا فانهار وقتل صاحبه، يُقتل البنّاء. قاعدة قاسية، لكنها تكشف فكرة مهمة: المسؤولية المهنية.
«العين بالعين»… ولكن ليس للجميع
تشتهر الشريعة بمبدأ القصاص المتماثل، كأن تُفقأ عين من فقأ عين غيره. لكن هذا المبدأ لم يكن يُطبَّق بالتساوي على الجميع؛ فالمجتمع البابلي كان مقسّمًا إلى طبقات، وتختلف العقوبة باختلاف طبقة الجاني والمجني عليه، فتكون أحيانًا غرامة من الفضة بدل القصاص.
لماذا تبقى مهمة؟
ليست شريعة حمورابي أقدم القوانين المكتوبة، فهناك قوانين سومرية أقدم منها، لكنها الأكمل والأشهر. وقيمتها الكبرى أنها نافذة نادرة على حياة الناس اليومية قبل آلاف السنين: ماذا كانوا يزرعون، وكيف يتعاملون بالمال، وما الذي كانوا يعدّونه عدلًا.